محمد حسين علي الصغير

88

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

فالمشبه في الآية الأولى السماء ، وفي الآية الثانية الجبال ، وهما حسيان . والمشبه به في الأولى المهل ، وفي الثانية العهن ، وهما حسيان . وهذا النوع من أوسع أبواب التشبيه في القرآن الكريم . ب - وأما العقليان ، فهما أقل توافرا من القسم الأول ، إلا أنهما متلازمان في المعاني الذهنية المجردة التي تدرك بالعقل لا بالحس ، وتحمل عليهما جميع الآيات التي شبهت الإيمان أو العلم بالحياة ، والكفر أو الجهل بالموت ، قال تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ « 1 » . ففي هذه الآية تقرير لحقيقة الضلال ، وتصوير لحقيقة الإيمان ، فالموت حقيقة معنوية جعل إلى جنبها الكفر ، وكلاهما عقلي ، والحياة حقيقة معنوية جعل إلى جنبها الإيمان ، وكلاهما عقلي ، وقد أريد بهذين التعبيرين تقرير الحقيقة المطلقة التي يتسم بها الفريقان : الفريق الموحد والفريق الكافر ، فالميت بالكفر لا ترجى له حياة معنوية ، والمهتدي بالإيمان يستمد الحياة الأزلية في كل الأزمان ، لأن الكفر موت وضلال ، والإيمان نور وحياة ، ومن مات بالكفر فهو في حيرة أبدية ، ومن كان حيا بالإيمان فهو على نور من ربه ، والأمران كلاهما حقيقة عقلية نابضة تدركها النفس الإنسانية ، وتؤكدها التجربة المؤثرة . ج - وكون المشبه به حسيا ، والمشبه عقليا ، فتمثله عدة نماذج من القرآن الكريم : أولا : قال تعالى : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ « 2 » . فالمشبه به حسي وهو الغيث والمشبه عقلي وهو الحياة . ثانيا : قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ . . . ( 39 ) « 3 »

--> ( 1 ) الأنعام : 122 . ( 2 ) الحديد : 20 . ( 3 ) النور : 39 .